فصل: تفسير الآيات (1- 3):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآيات (25- 28):

{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)}
{الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ} جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً لأنّ، كقولك: إنّ زيداً عمرو مرّ به. سوّل لهم: سهل لهم ركوب العظائم، من السول وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعاً {وأملى لَهُمْ} ومدّ لهم في الآمال والأماني. وقرئ: {وأملى لهم} يعني: إنّ الشيطان يغويهم وأنا أنظرهم، كقوله تعالى: {إنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ} [آل عمران: 178] وقرئ: {وأملى لهم} على البناء للمفعول، أي: أمهلوا ومدّ في عمرهم. وقرئ: {سوّل لهم}، ومعناه: كيد الشيطان زين لهم على تقدير حذف المضاف.
فإن قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد ما تبين لهم الهدى، وهو نعته في التوراة. وقيل: هم المنافقون. الذين قالوا: هم اليهود، والذين كرهوا ما نزل الله: المنافقون.
وقيل عكسه، وأنه قول المنافقين لقريظة والنضير: لئن أخرجتم لنخرجنّ معكم. وقيل: {بَعْضِ الأمر}: التكذيب برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بلا إله إلا الله، أو ترك القتال معه. وقيل: هو قول أحد الفريقين للمشركين: سنطيعكم في التظافر على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد معه. ومعنى: {فِى بَعْضِ الأمر} في بعض ما تأمرون به. أو في بعض الأمر الذي يهمكم {والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} وقرئ: {إسرارهم} على المصدر، قالوا ذلك سراً فيما بينهم، فأفشاه الله عليهم. فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذٍ؟ وقرئ: {توفاهم} ويحتمل أن يكون ماضياً، ومضارعاً قد حذفت إحدى تاءيه، كقوله تعالى: {إِنَّ الذين توفاهم الملئكة} [النساء: 97].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا يتوفى أحد على معصية الله إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره {ذَلِكَ} إشارة إلى التوفي الموصوف {مَآ أَسْخَطَ الله} من كتمان نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. و{رِضْوَانَهُ}: الإيمان برسول الله.

.تفسير الآيات (29- 30):

{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)}
{أضغانهم} أحقادهم وإخراجها: إبرازها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. وإظهارهم على نفاقهم وعداوتهم لهم، وكانت صدورهم تغلى حنقاً عليهم {لاريناكهم} لعرفناكهم ودللناك عليهم. حتى تعرفهم بأعيانهم لا يخفون عليك {بسيماهم} بعلامتهم: وهو أن يسمهم الله تعالى بعلامة يُعلمون بها.
وعن أنس رضي الله عنه: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية شيء من المنافقين: كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس، فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب: هذا منافق.
فإن قلت: أي فرق بين اللامين في {فَلَعَرَفْتَهُم} و{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ}؟ قلت: الأولى هي الداخلة في جواب (لو) كالتي في {لأريناكهم} كررت في المعطوف، وأما اللام في {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ} فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف {فِى لَحْنِ القول} في نحوه وأسلوبه.
وعن ابن عباس: هو قولهم: ما لنا إن أطعنا من الثواب؟ ولا يقولون: ما علينا إن عصينا من العقاب. وقيل: اللحن: أن تلحن بكلامك، أي: تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية. قال:
وَلَقَدْ لَحَنْتُ لَكُم لِكَيْمَا تَفْقَهُوا ** وَاللَّحْنُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلْبَابِ

وقيل للمخطئ: لاحن؛ لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.

.تفسير الآية رقم (31):

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)}
{أخباركم} ما يحكى عنكم وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها؛ لأن الخبر على حسب المخبر عنه: إن حسناً فحسن، وإن قبيحاً فقبيح، وقرأ يعقوب: ونبلو، بسكون الواو على معنى: ونحن نبلو أخباركم. وقرئ: {وليبلونكم ويعلم} ويبلو بالياء.
وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللَّهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.

.تفسير الآية رقم (32):

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32)}
{وَسَيُحْبِطُ أعمالهم} التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب؛ لأنها مع كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم باطلة، وهم قريظة والنضير. أو سيحبط أعمالهم التي عملوها، والمكايد التي نصبوها في مشاقة الرسول، أي: سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم، بل يستنصرون بها ولا يثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم. وقيل: هم رؤساء قريش، والمطعمون يوم بدر.

.تفسير الآية رقم (33):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)}
{وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم} أي لا تحبطوا الطاعات بالكبائر، كقوله تعالى: {لا تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى} [الحجرات: 2] إلى أن قال: {أَن تَحْبَطَ أعمالكم} [الحجرات: 20] وعن أبي العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت {وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم} فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.
وعن حذيفة: فخافوا أن تحبط الكبائر أعمالهم.
وعن ابن عمر: كنا نرى أنه ليس شيء من حسناتنا إلا مقبولاً، حتى نزل {وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم} فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل {إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 116] فكففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر ونرجو لمن لم يصبها.
وعن قتادة رحمه الله: رحم الله عبداً لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء. وقيل: لا تبطلوها بمعصيتهما.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تبطلوها بالرياء والسمعة، وعنه: بالشك والنفاق، وقيل: بالعجب؛ فإنّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. وقيل: ولا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى.

.تفسير الآية رقم (34):

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)}
{ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ} قيل: هم أصحاب القليب، والظاهر العموم.

.تفسير الآية رقم (35):

{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)}
{فَلاَ تَهِنُواْ} ولا تضعفوا ولا تذلوا للعدوّ (و) لا {تَدْعُواْ إِلَى السلم} وقرئ: {السلم} وهم المسالمة {وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ} أي الأغلبون الأقهرون {والله مَعَكُمْ} أي ناصركم.
وعن قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها بالموادعة. وقرئ: {لا تدّعوا} من ادّعى القوم وتداعوا: إذا دعوا. نحو قولك: ارتموا الصيد وتراموه. وتدعوا: مجزوم لدخوله في حكم النهى. أو منصوب لإضمار أنْ. ونحو قوله تعالى: {وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ}: قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ الاعلى} [طه: 68]. {وَلَن يَتِرَكُمْ} من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو حميم، أو حربته، وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله، من الوتر وهو الفرد؛ فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «من فاتته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله» أي أفرد عنهما قتلاً ونهباً.

.تفسير الآيات (36- 38):

{إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)}
{يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} ثواب إيمانكم وتقواكم {وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أمْوَالَكُمْ} أي ولا يسألكم جميعها، إنما يقتصر منكم على ربع العشر، ثم قال: {إِن يَسْألْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ} أي يجهدكم ويطلبه كله، والإحفاء: المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح. وأحفى شاربه: إذا استأصله {تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أضغانكم} أي تضطغنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتضيق صدوركم لذلك، وأظهرتم كراهتكم ومقتكم لدين يذهب بأموالكم، والضمير في {يُخْرِجَ} لله عز وجل، أي يضغنكم بطلب أموالكم. أو للبخل؛ لأنه سبب الاضطغان، وقرئ {تخرج} بالنون. ويخرج، بالياء والتاء مع فتحهما ورفع أضغانكم {هؤلاءآء} موصول بمعنى الذين صلته {تُدْعَوْنَ} أي أنتم الذين تدعون. أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، كأنهم قالوا: وما وصفنا؟ فقيل: تدعون {لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله} قيل: هي النفقة في الغزو. وقيل: الزكاة، كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به، ثم قال: {وَمَن يَبْخَلْ} بالصدقة وأداء الفريضة. فلا يتعداه ضرر بخله، وإنما {يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ} يقال بخلت عليه وعنه، وكذلك ضننت عليه وعنه. ثم أخبر أنه لا يأمر بذلك ولا يدعو إليه لحاجته إليه، فهو الغني الذي تستحيل عليه الحاجات، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} معطوف على: وإن تؤمنوا وتتقوا {يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ} يخلق قوماً سواكم على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله تعالى: {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [إبراهيم: 19] وقيل: هم الملائكة. وقيل: الأنصار.
وعن ابن عباس: كندة والنخع.
وعن الحسن: العجم.
وعن عكرمة: فارس والروم.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه، فضرب على فخذه وقال: «هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس»
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة محمد صلى الله عليه وسلم كان حقاً على الله أن يسقيه من أنهار الجنة»

.سورة الفتح:

.تفسير الآيات (1- 3):

{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)}
هو فتح مكة، وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة ربّ العزة سبحانه في أخباره؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخْبِر ما لا يخفى.
فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدّد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة، ونصرناك على عدوّك، لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل. ويجوز أن يكون فتح مكة- من حيث إنه جهاد للعدوّ- سبباً للغفران والثواب والفتح والظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح. وقيل: هو فتح الحديبية، ولم يكن فيه قتال شديد، ولكن ترام بين القوم بسهام وحجارة.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: رموا المشركين حتى أدخلوهم ديارهم.
وعن الكلبي: ظهروا عليهم حتى سألوا الصلح.
فإن قلت: كيف يكون فتحاً وقد أحصروا فنحروا وحلقوا بالحديبية؟ قلت: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها وتمت كان فتحاً مبيناً.
وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً، فقال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدّونا عن البيت وصد هدينا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بئس الكلام هذا، بل هو أعظم الفتوح، وقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا»، وعن الشعبي: نزلت بالحديبية وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة أصاب: أن بويع بيعة الرضوان، وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، وظهرت الروم على فارس؛ وبلغ الهدى محله، وأطعموا نخل خيبر، وكان في فتح الحديبية آية عظيمة. وذلك أنه نزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه فيها، فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه. وقيل: فجاش الماء حتى امتلأت ولم ينفد ماؤها بعد- وقيل: هو فتح خيبر، وقيل: فتح الروم. وقيل: فتح الله له بالإسلام والنبوّة والدعوة بالحجة والسيف، ولا فتح أبين منه وأعظم، وهو رأس الفتوح كلها، إذ لا فتح من فتوح الإسلام إلا وهو تحته ومتشعب منه. وقيل: معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل؛ لتطوفوا بالبيت: من الفتاحة وهي الحكومة، وكذا عن قتادة {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} يريد: جميع ما فرط منك.
وعن مقاتل: ما تقدم في الجاهلية وما بعدها. وقيل: ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد {نَصْراً عَزِيزاً} فيه عز ومنعة- أو وصف بصفة المنصور إسناداً مجازياً أو عزيزاً صاحبه.